فخر الدين الرازي
111
شرح عيون الحكمة
ولقائل أن يقول : هذا الكلام ضعيف . لأن شرط كون المعنى المشترك فيه جنسا لما تحته أو نوعا لما تحته : أن يكون أمرا ثابتا ، ولا يكون عبارة عن مجرد السبب . فلم قلتم : ان وجوب الوجود معنى ثبوتي ؟ ولم لا يجوز أن يكون معنى سلبيا ؟ والذي يدل على صحة قولنا وجوه : الأول : ان وجوب الوجود لو كان مفهوما ثبوتيا لكان اما أن يكون تمام الماهية ، أو جزء الماهية ، أو خارجا عنها . والكل باطل . فوجب أن لا يكون مفهوما ثبوتيا . وانما قلنا : انه لا يجوز أن يكون نفس الماهية . وذلك لأنا نعقل معنى كونه واجب الوجود لذاته ، ولا نعقل حقيقته المخصوصة . وذلك يدل على التغاير . وأيضا : فوجوب الوجود كيفية للنسبة الحاصلة بين الوجود وبين الماهية الحاصلة للوجود . والدليل عليه : اتفاق المناطقة « 2 » على أن الوجوب والامتناع والامكان جهات - أي هي كيفيات لارتباط المحمول بالموضوع - وإذا كان الأمر كذلك امتنع أن يقال : الوجوب نفس الذات . وأما أنه يمتنع أن يكون جزءا من أجزاء الذات ، فلأن على هذا التقدير يكون واجب الوجوب لذاته ، مركبا . وذلك محال . وأما أنه يمتنع أن يكون خارجا عن الماهية ، فان الخارج عن الماهية واللاحق لها ، يكون ممكنا لذاته واجبا بوجوب غيره . فقبل هذا الوجوب وجوب آخر . هذا خلف . الثاني : ان الوجوب محمول على العدم . بدليل : أنه انما يصدق قولنا ممتنع أن يكون . فإنه يصدق فيه : واجب أن لا يكون . فيكون الوجوب محمولا على اللاكون . والمحمول على العدم عدم . الثالث : لو كان الوجوب أمرا موجودا ، لكان ذلك الوجوب مساويا لسائر الموجودات في الموجودية ، ومخالفا لها في الماهية . فيكون وجوده زائدا على ماهيته ، فاتصاف ماهيته بوجوده يكون بالوجوب ، فيلزم أن يكون للوجوب وجوب آخر ، إلى غير النهاية . وأنه محال .
--> ( 2 ) المنطقية : ص .